عبد القادر الجيلاني
107
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
المقالة الحادية والأربعون مثل في الفناء وكيفيته قال رضي اللّه عنه وأرضاه : نضرب لك مثلا في الفناء فنقول : ألا ترى أن الملك يولي رجلا من العوام ولاية على بلدة من البلاد ، ويخلع عليه ويعقد له ألوية ورايات ، ويعطيه الكؤوس والطبل والجند فيكون على برهة من الزمان ، حتى إذا اطمأن واعتقد بقاءه وثباته ، وعجب به ونسي حالته الأولى ونقصانه وذله وفقره وخموله ، وداخلته النخوة والكبرياء جاءه العزل من الملك في أشر ما كان من أمره ، ثم طالبه الملك بجرائم صنعها وتعدي أمره ونهيه فيها ، فحبسه في أضيق الحبوس وأشدها ، وطال حبسه ودام ضره وذله وفقره ، وذابت نخوته وكبرياؤه ، وانكسرت نفسه وخمدت نار هواه ، وكل ذلك في عين الملك ثم تعطف الملك عليه فنظره بعين الرأفة والرحمة ، فأمر بإخراجه من الحبس والإحسان إليه ، والخلعة عليه ورد الولاية إليه ومثلها معها وجعلها له موهبة ، فدامت له وبقيت مصفاة مكفاة مهنأة وكذلك المؤمن إذا قربه اللّه إليه واجتباه فتح قبالة عين قلبه باب الرحمة والمنة والإنعام ، فيرى بقلبه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، من مطالعة الغيوب من ملكوت السماوات والأرض ، وتقريب وكلام لذيذ لطيف ووعد جميل ، ووفاء به ، وإجابة دعاء وكلمات حكمة وتصديق وعد ، فإنها ترمى إلى قلبه قذفا من مكان بعيد فتظهر على لسانه ، ومع ذلك يسبغ عليه نعمه ظاهرة على جسده وجوارحه ، في المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح الحلال والمباح وحفظ الحدود والعبادات الظاهرة ؛ فيديم اللّه عزّ وجلّ ذلك لعبده المؤمن المجذوب برهة من الزمان ، حتى اطمأن العبد إلى ذلك واغتر به واعتقد دوامه فتح عليه أبواب البلايا وأنواع المحن في النفس والمال والأهل والولد والقلب ، فينقطع عنه جميع ما كان أنعم اللّه عليه من قبل ، فيبقى متحيرا حسيرا منكسرا مقطوعا به . إن نظر إلى ظاهره رأى ما يسوؤه ، وإن نظر إلى قلبه وباطنه رأى ما يحزنه ، وإن سأل اللّه تعالى كشف ما به من الضر لم ير إجابته ، وإن طلب وعدا جميلا لم يجده سريعا وإن وعد بشيء لم يعثر على الوفاء به ، وإن رأى رؤيا لم يظفر بتعبيرها وتصديقها ، وإن رام الرجوع إلى الخلق لم يجد إلى ذلك سبيلا ، وإن ظهرت له في ذلك رخصة فعمل بها تسارعت العقوبات نحوه وتسلطت أيدي الخلق على جسمه